وقف حمايا قدامي، والورقة لسه على الأرض عند رجلي.
انحنيت أخدها وإيديا بتترعش.
بصيت فيها… شيك.
شيك بمبلغ الـ٢٠٠ ألف جنيه كاملين.
ومكتوب فيه تاريخ استحقاق بعد أسبوع.
رفعت عيني أبصله وأنا مش فاهم.
قال بصوت هادي أخوف من الصريخ:
ـ افتكرته هدية؟ ولا افتكرتني خرفت؟
بلعت ريقي.
ـ يا عمي… أنا كنت…
قاطعني وهو رافع إيده:
ـ اسكت. كل كلمة هتقولها دلوقتي هتخليك أصغر في نظري أكتر ما أنت صغير.
الناس كلها كانت بتبص علينا.
وهويدا بدأت ترجع لورا خطوة ورا خطوة كأنها متعرفنيش.
حمايا كمل:
ـ أنا كنت عارف من أول يوم إنك مش بتحب بنتي.
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.
ـ بس كنت بقول يمكن الأيام تصلحك… يمكن تبقى راجل.
ضحك ضحكة قصيرة كلها مرارة.
ـ طلعت غلطان.
وفجأة مد إيده لواحد من اللي واقفين معاه.
الراجل طلع ملف سميك.
وحطه قدامي.
ـ تعرف ده إيه؟
سكت.
ـ ده كشف حساب بكل جنيه أخدته مني من يوم ما اتجوزت بنتي.
حسيت رجلي مش شيلاني.
ـ عربية… فلوس… بضاعة… سداد ديون… مصاريف مدرسة… حتى إيجار المحل لما اتعسرت ودفعتهولك.
كل كلمة كانت بتفضحني قدام الناس.
وهويدا وشها بقى أصفر.
قالت بسرعة:
ـ استنى… هو إنت كنت بتقول إن المحل بتاعك ناجح!
بصيتلها.
أول مرة أشوف نظرة الاحتقار في عينيها.
حمايا بص لها وقال:
ـ ناجح؟
وبعدين ضحك.
ـ ده لو شيلت فلوسي من حياته كان زمانه بايع المحل من خمس سنين.
القاعة كلها بقت همهمات.
وأول مرة أحس إني واقف عريان قدام الناس.
هويدا قربت مني وهمست بعصبية:
ـ يعني العربية اللي جبتها لي…
قال حمايا من غير ما يستناها تكمل:
ـ من فلوسي.
ـ والشبكة؟
ـ من فلوسي.
ـ والفرح؟
ـ من فلوسي.
لفت تبصلي كأني نصاب.
وفجأة قلعت الدبلة من صباعها.
وحطتها في إيدي.
ـ أنا متجوزش واحد مفلس وكذاب.
قلت بسرعة:
ـ هويدا اسمعيني…
صرخت في وشي:
ـ اسمعك إيه؟! ده أنا طلعت متجوزة حماك مش إنت!
الناس اتصدمت.
واحدة من الستات ضحكت.
والتانية قالت بصوت عالي:
ـ سبحان الله… اللي خرب بيت غيره ربنا خرب بيته في ليلة فرحه.
حسيت الأرض بتلف بيا.
لكن الصدمة الحقيقية لسه ماجتش.
لأن باب القاعة اتفتح مرة تانية.
ودخلت… مراتي.
مراتي الأولى.
كانت ماشية بثبات غريب.
لا بتعيط.
لا بتصرخ.
لا عاملة مشهد.
بالعكس.
كانت هادية بشكل مرعب.
وقفت قدامي مباشرة.
وبصتلي.
أول مرة أحس إنها مش مكسورة.
مش الست اللي كنت متعود أشوفها ساكتة.
لا…
دي واحدة تانية خالص.
قالت بهدوء:
ـ متخافش… أنا مش جاية أرجعك.
أنا جاية أحررك.
طلعت من شنطتها ورقة.
وحطتها فوق الملف.
ـ دي دعوى الخلع.
وبعدين طلعت ورقة تانية.
ـ ودي دعوى نفقة للأولاد.
وورقة تالتة.
ـ ودي قائمة بالمصروفات اللي كنت بسيب أبويا يدفعها بدل منك طول السنين اللي فاتت.
أنا اتجمدت.
قالت وهي بتبصلي للمرة الأخيرة:
ـ كنت فاكر إني عبء.
بس الحقيقة إنك طول عمرك كنت أنت العبء.
لفت ومشيت.
وحمايا مشي وراها.
والناس بدأت تخرج.
وهويدا سابتني ومشت.
وأنا فضلت واقف في نص القاعة.
لوحدي.
الورد حواليّ.
والكوشة ورايا.
وأغاني الفرح لسه شغالة.
بس مفيش عريس.
ومفيش عروسة.
ومفيش حياة جديدة.
كان فيه بس راجل اكتشف متأخر جدًا…
إنه خسر كل حاجة وهو فاكر نفسه كسبان.
مر أسبوع كأنه سنة.
خرجت من قاعة الفرح يومها وأنا مش شايف قدامي.
رجعت البيت اللي كنت دايمًا بقول عليه “سجن”.
فتحت الباب.
pre-wrap;">
لقيته فاضي.
هادئ زيادة عن اللزوم.
مفيش صوت عيال.
مفيش ريحة أكل.
مفيش حد مستنيني.
حتى الفوضى اللي كنت بشتكي منها اختفت.
قعدت على الكنبة أبص للسقف.
أول مرة أحس إن الوحدة وحشة بالشكل ده.
عدى يوم واتنين وتلاتة.
ولا هويدا ردت على مكالمة.
ولا مراتي رجعت.
ولا حمايا سابني في حالي.
كل يوم محامي يتصل.
كل يوم مطالبة جديدة.
كل يوم ورقة جديدة.
وفي نص الأسبوع اكتشفت المصيبة الأكبر.
المحل.
روحت أفتحه الصبح.
لقيت الموردين مستنييني.
واحد منهم مسكني من دراعي.
ـ فلوسي فين يا حاج؟
التاني قال:
ـ وإحنا مش هنستنى أكتر من كده.
الثالث رمى الفواتير قدامي.
ـ يا تدفع يا ناخد إجراءاتنا.
وقفت أبصلهم وأنا مش فاهم.
كنت متعود كل أزمة تتحل.
كل مرة حمايا يدخل وينقذ الموقف.
لكن المرة دي؟
مفيش حد.
اتصلت بحمايا.
رفض المكالمة.
اتصلت تاني.
رفض.
بعت رسالة:
“عشان خاطر العيال.”
جالي الرد بعد ساعة.
“العيال عند أمهم. وأنت مسؤول عن نفسك.”
بس.
سطر واحد.
سطر كسر ضهري أكتر من ألف شتيمة.
بعد شهرين
بعتوا إنذار بالحجز على المحل.
قعدت على الكرسي جوه المحل أبص للبضاعة.
نفس المحل اللي كنت فاكر إنه هيخليني راجل أعمال كبير.
فجأة افتكرت أول يوم فتحته.
افتكرت مراتي وهي واقفة جنبي.
كانت جايبة صينية شاي للعمال.
ووشها كله فرحة.
افتكرت يوم ولادة ابني.
افتكرت لما كانت تسهر جنبه وهو عيان وأنا نايم.
افتكرت إنها عمرها ما طلبت عربية.
ولا شبكة بمئات الآلاف.
ولا فرح أسطوري.
كل اللي كانت عايزاه كلمة حلوة.
بس أنا كنت بخيل حتى في الكلمة.
حطيت وشي بين إيديا.
وأول مرة من سنين…
عيطت.
بعدها بأسبوعين
قابلت هويدا بالصدفة.
كانت خارجة من كافيه.
مع راجل جديد.
لابس بدلة غالية وساعة ألماظ.
أول ما شافتني عملت نفسها مش عارفاني.
ناديت عليها:
ـ هويدا.
بصتلي ثانيتين.
وبعدين قالت:
ـ حضرتك تقصد مين؟
اتجمدت مكاني.
قالت للرجل اللي معاها:
ـ يلا بينا.
ومشيت.
كأن السنتين اللي قضتهم معايا مكانوش موجودين.
كأن الهدايا والفلوس والعربية والفرح كانوا مجرد صفقة وانتهت.
وقفت أتفرج عليها وهي بتمشي.
وساعتها فهمت.
هي عمرها ما حبتني.
زي ما أنا عمري ما حبيت مراتي.
كل واحد فينا كان بيستغل التاني.
بس أنا دفعت الثمن متأخر.
في يوم جلسة الخلع.
دخلت المحكمة.
ولأول مرة شفت مراتي بعد شهور.
كانت مختلفة.
هادية.
قوية.
لابسة بسيط.
لكن رافعة راسها.
قعدت بعيد عنها.
ولما القاضي أنهى الإجراءات وخرجنا…
لقيتها واقفة عند الباب.
كنت ناوي أمشي.
لكنها قالت:
ـ استنى.
وقفت.
قالت بهدوء:
ـ أنا سامحتك.
رفعت راسي أبصلها باستغراب.
كملت:
ـ مش عشان تستاهل السماح.
عشان أنا عايزة أعيش مرتاحة.
وأكملت وهي بتلف تمشي:
ـ بس فيه حاجة واحدة عمري ما هسامحك عليها.
سألتها:
ـ إيه هي؟
بصتلي والدموع لمعت في عينيها:
ـ إنك خليت ولادك يحسوا إنهم أقل من أي حاجة تانية في حياتك.
ومشيت.
وسابتني واقف.
لأول مرة.
من غير رد.
لأن الحقيقة دي…
كانت أقسى من أي حكم محكمة.