الرئيسية روايات قصص قصيرة جميع الأعمال عن الموقع ⚙ لوحة التحكم
20
← ست موظفة كامله
ست موظفة كامله
الجزء 3 من 4

الجزء الثالث

دخلت الأوضة وقفلت الباب، وسيبته يراجع حساباته، وهو سامع صوت حركة الولاد في الصالة وصوت “الديون” اللي بدأت تدق على بابه، متأكدة إنه بدأ يدرك إن “البيت اللي على أصوله” محتاج راجل “على أصوله” يغطي تكاليفه، مش بس ينتقد تفاصيله

عدت الأيام، ومجدي بدأ يدوق طعم “المر”، مش من شغل البيت، لا.. من ضغط المصاريف اللي مبقتش ترحم. بقيت أشوفه راجع من شغله الأصلي، مهدود، وعينه بتدور في “مواقع التوظيف” على أي شغلانة تانية تلم باقي الشهر.

في يوم، دخل البيت وشكله متبهدل، رمى شنطته على الكنبة وقال بصوت مخنوق: “أنا نزلت النهاردة قدمت في شركة توصيل، هشتغل ساعتين تلاتة بعد الشغل.. بس ده معناه إني مش هشوف البيت إلا للنوم.”

بصيت له وأنا بمسح التراب من على المكتب، وقلت له بابتسامة صفرا: “يا بختنا يا مجدي! أهو ده الشغل الحقيقي اللي يخليك راجل “على أصوله” زي ما أنت كنت عايز. بس خلي بالك، التوصيل ده محتاج ذكاء، ومحتاج تقبض فلوس كتير عشان تلحق تسد الأقساط اللي فاتتنا الشهر ده.. أصل أنا خلاص، نسيت طريق الشغل، ومبقاش في رصيدي جنيه أصرفه.”

بدأ مجدي يغرق في دوامة “المسؤولية الكاملة”. مفيش فطار بيتحضر له، مفيش فلوس في إيده يصرفها على مزاجه، ومفيش “أم” تتدخل، ومفيش “زوجة” بتدفع من جيبها.

مرة وهو قاعد بيحسب الحسابات على الورقة والقلم، بص لي وقال بكسرة: “أنا مكنتش فاكر إن الموضوع صعب كدة.. كنت فاكر إنك بتتدلعي.”

قعدت قدامه، وفردت ضهري، ونطقت الكلمات اللي كنت حابساه من شهور: “كنت فاكر إني بتدلع؟ كنت فاكر إن الأقساط والطلبات بتدفع نفسها؟ أنت كنت شايف “التنضيف” بس، ومش شايف “التعب”. النهاردة، أنت شفت الاتنين.. أنت بقيت بتطحن نفسك عشان توفر الأساسيات، وشفت كمان إن البيت بيبقى نظيف لما بيكون فيه “مجهود” و”فلوس”. يا ترى لسه شايفني مهملة؟ ولا عرفت مين فينا اللي كان بيشيل التاني؟”

سكت، ونزل راسه في الأرض، المرة دي مكنش فيه “جروب عيلة” يدافع عنه، ولا
“ماما” تيجي تنصفه.. كان لوحده، قصاد الواقع اللي هو صنعه بإيده. وقتها، عرفت إني خلاص استرديت كرامتي، مش بس قدامه، ده قدام نفسي قبل أي حد.

أنا مش بس “ست بيت”.. أنا “العمود” اللي لو مال، البيت كله يقع، وهو النهاردة، عرف التمن غالي أوي

بدأ مجدي يدخل في روتين قاسي، يخرج الفجر يرجع نص الليل، وشفت عليه علامات الإرهاق اللي كنت بشوفها على نفسي سنين، وبدأت أشوفها في عينيه هو. البيت بيفضل نظيف، والأكل بيتحضر، والولاد بيذاكروا.. بس البيت بقا “صامت”. لا فيه ضحك، ولا فيه خناق على الملايات، ولا فيه تريقة على طريقة طبخي.

في يوم، كنت قاعدة بلم الغسيل من على الحبل، لقيته راجع وشكله منكسر تماماً. دخل قعد في الصالة، وسكت لفترة طويلة جداً. فجأة، لقيته بيطلع ظرف فيه جزء من مرتبه التاني اللي اشتغله، وحطه على التربيزة قدامي.

بصيت للظرف، وبعدين بصيت له. كان باصص للسقف وقال بصوت ضعيف: “أنا النهاردة لما كنت في الشغل، كنت بفتكر أيام ما كنتِ بتنزلي وتيجي مهدودة.. كان بيجيلي تليفونات من أصحابي يطلبوا يخرجوا، أو أهلي يطلبوا طلبات، وأنا كنت برد عليهم وأنا حاطط رجل على رجل، وأقولهم ‘مراتي في البيت هتعمل كل حاجة’، أو ‘مراتي معاها فلوس’. ماكنتش متخيل إن الكلمة دي كانت تقيلة عليكي بالشكل ده.”

سكت شوية، وبعدين كمل: “أنا النهاردة دخلت شفت صور الجروب اللي أمي كانت منزلاها.. شفت صورة ‘الغسيل’ اللي هي كانت شايفاه إهمال، ولقيت نفسي النهاردة وأنا بلم غسيلي بنفسي، لقيت إن دي حياة مش إهمال، ده صراع يومي عشان نعيش بكرامة. أنا كنت بقطع فيكي عشان أرضي ‘اللقب’ اللي أهلي زرعوه في دماغي، إني لازم أكون ‘سي السيد’.”

حسيت ببرود قلبي بيبدأ يسيح، بس مكنتش عايزة أضعف. قعدت جنبه، وقلت بصوت هادي: “مجدي، الكرامة مش في إنك تكون سي السيد، الكرامة في إنك تقدر شريكة حياتك. أنا ماكنتش عايزة منك أكتر من كلمة طيبة، أو إنك توقف وقفة رجالة قدام ‘التحريض’. أنت كنت بتشوفني ‘مهملة’ عشان كنت بتقارنني بـ ‘أمك’، مع إن ظروف أمك في وقتها غير ظروفي دلوقتي، وظروف شغلي غير حياتها.”

التالي
الجزء 4: الجزء الرابع
متابعة القراءة ❮
📖